عمر فروخ

191

تاريخ الأدب العربي

للمديح والغزل وانتقاله إلى القول في الزّهد . ومع أن أبا العتاهية ترك اللهو ولزم الزهد فإنه ظلّ بخيلا حريصا على الدنيا بعوامل بيئته الأولى وفقره الأول . وتوفّي أبو العتاهية في بغداد ، في 8 جمادى الثانية 211 ه ( 15 - 9 - 826 م ) . 2 - [ خصائصه الفنّيّة ] أبو العتاهية شاعر مطبوع مكثر « 1 » سهل الألفاظ قريب المعاني قليل التكلّف . ويسهل شعره أحيانا حتى يضعف ويركّ ، وخصوصا في الزهد . وسار شعره على ألسنة الخواصّ والعوامّ لسهولته ولنغمته الدينية . وهو كثير

--> ( 1 ) في الروايات كلها أن أبا العتاهية شاعر مكثر . ومع أن أبا العتاهية شاعر مطبوع ، فان الاهتمام بشعر كان قليلا لغلبة الزهد عليه ولأسلوبه الذي يرك أحيانا ولمعانيه المكرورة . واستنادا إلى هذا نستطيع أن نقول إن كثيرا من شعره قد ضاع . في سنة 1886 م أخرج اليسوعيون في بيروت مجموعا مصنوعا من شعر أبي العتاهية سموه « الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية » . ولقد كان من المنتظر أن تكون هذه النسخة مشوهة ، ككثير من الآثار التي تناولها اليسوعيون ، إذا كانت متصلة بالأدب العربي وبالاسلام . ولكن لم ينل أبو العتاهية عناية صحيحة من الأدباء العرب ولا طبع ديوانه غير المرات الثلاث أو الأربع في المطبعة اليسوعية ( الكاثوليكية ) في بيروت . ولقد عني الدكتور شكري فيصل بديوان أبي العتاهية واعتمد في ذلك نسختين له هما نسخة المكتبة الظاهرية في دمشق ونسخة وجدها في توبنجن ( ألمانية ) يرقى نسخها إلى مطلع القرن السابع للهجرة ( مطلع القرن الثالث عشر للميلاد ) . وبمقارنة طبعة اليسوعيين بهاتين المخطوطتين تبين للدكتور شكري فيصل أن طبعة الآباء اليسوعيين عنيت بالزهد خاصة وتهاونت بأبيات ومقاطع من سائر الفنون . ولقد استطاع الدكتور شكري فيصل أن يجمع في الديوان الذي استخرجه لشعر أبي العتاهية ( أبو العتاهية : أشعاره وأخباره - مطبعة جامعة دمشق ، دمشق 1384 ه - 1965 م ) خمسة آلاف وخمسمائة بيت أو تقل قليلا . وهذا العدد أيضا يجب أن يكون أقل من العدد الذي بلغ اليه شعر أبي العتاهية . ثم اتضح للدكتور شكري فيصل أن الآباء اليسوعيين قد تلاعبوا بشعر أبي العتاهية تلاعبا يتبدى في الأوجه التالية : كانت بعض الكلمات في الديوان محرفة ( وهذا التحريف يمكن أن يكون نتيجة للجهل أو أن يكون مقصودا ) . ويبدو أن الآباء اليسوعيين قد بدلوا عددا من الكلمات مثل « الحب » فقد جعلوها « الود » ، كما وضعوا كلمة « النوى » مكان كلمة « الهوى » ، وكلمة « نديم » مكان كلمة « جارية » . ( ص 11 ) . وكذلك حذف الآباء اليسوعيون من ديوان أبي العتاهية الالفاظ الإسلامية ككلمة « محمد » وجملة « لا شريك له » وما ماثل ذلك . وكانوا يحاولون ان يشوهوا الأبيات التي فيها مدارك إسلامية بتحريفها ، فإذا لم يتأت لهم تحريف البيت حتى يغيب منه المدرك الإسلامي حذفوا البيت جملة واحدة ( ص 12 - 13 ) . فالدكتور شكري فيصل مشكور على جهوده ، وان كان التحريف للأدب العربي والغض من الثقافة الإسلامية صناعة لليسوعيين وللذين خرجوا من معاهد اليسوعيين ، إلا من رحم ربك . ( راجع مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب ، ص 23 ؛ وراجع كتاب التبشير والاستعمار في البلاد العربية ، للدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ ، الطبعة الثالثة ، بيروت . 1383 ه - 1964 م ص 217 وما بعدها ) .